محمد غازي عرابي
10
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الختم الطبع ، فهؤلاء مطبوعون على الكفر ، لا رجاء لهم ، والطبع في العين ، ومن العين إلى القلب والسمع والبصر ، إذ لطيفة الإنسان عين ، والعين جامعة للضدين ، وعذاب المطبوع بالكفر هو من نوع طبعه ، فهو في تجانس مع طبعه كتجانس أهل النار مع النار . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) [ البقرة : 8 ، 9 ] الفريق الثالث من الناس هم المنافقون ، وهؤلاء أصحاب قلوب متقلبة لا ثبات لها على حال ، وتقلبهم في القبضة ، إذ سبحانه له الأمر من قبل ومن بعد ، وفي قبضته التقلب ، ولو شاء لقلب المنافقين مؤمنين ، سبحانه أعطى كل ذي حق حقه من اليقين . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 10 إلى 20 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) [ البقرة : 10 ، 20 ] الحديث عن أصحاب الضلالة الذين يتقلبون بين النور والظلمة فلا يميزون بينهما لغلبة الرين على قلوبهم ، والقلب في مجال التقلب لا حقيقة له إلا ما تسول له نفسه ، ودليل هؤلاء الفكر ووهمه وخياله ، والطرق التي يشقها ويعبدها ويدعو القلب للسير عليها ، وليس للفكر من دليل يستند إليه ويقوم به إلا الظن ، والظن لا يغني عن الحقيقة شيئا ، وترى أصحاب الفكر يسخرون من أصحاب العقيدة ويستهزئون ، لأن هؤلاء في زعمهم هم الذين يتبعون الظن لا التفكير الصحيح القائم على التحليل والتركيب والربط بين المقدمات والنتائج ، وأكبر دليل على هذا موقف العقلانيين من الصوفيين أصحاب الكشف والذوق ، فكم تهجم هؤلاء على أرباب الحقيقة المكاشفين ، ولكم باؤوا بالفشل والخذلان ، إذ حكم بعضهم على بعض ، وخطأ بعضهم بعضا ، حتى آل الجميع إلى نار الفرقة والخلاف .